فخر الدين الرازي

120

تفسير الرازي

أشد ما يكون من الصفرة وأنصعه ، يقال في التوكيد أصفر فاقع وأسود حالك وأبيض يقق وأحمر قانٍ وأخضر ناضر ، وههنا سؤالان : الأول : " فاقع " ههنا واقع خبراً عن اللون فكيف يقع تأكيداً لصفراء ؟ الجواب : لم يقع خبراً عن اللون إنما وقع تأكيداً لصفراء إلا أنه ارتفع اللون به ارتفاع الفاعل واللون سببها وملتبس بها ، فلم يكن فرق بين قولك : صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها . السؤال الثاني : فهلا قيل صفراء فاقعة وأي فائدة في ذكر اللون ؟ الجواب : الفائدة فيه التوكيد لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة ، فكأنه قيل شديدة الصفرة صفرتها فهو من قولك : جد جده وجنون مجنون . وعن وهب : إذ نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها . أما قوله تعالى : * ( تسر الناظرين ) * فالمعنى أن هذه البقرة لحسن لونها تسر من نظر إليها ، قال الحسن : الصفراء ههنا بمعنى السوداء ، لأن العرب تسمي الأسود أصفر ، نظيره قوله تعالى في صفة الدخان : * ( كأنه جمالات صفر ) * ( المرسلات : 33 ) أي سود ، واعترضوا على هذا التأويل بأن الأصفر لا يفهم منه الأسود البتة ، فلم يكن حقيقة فيه ، وأيضاً السواد لا ينعت بالفقوع ، إنما يقال : أصفر فاقع وأسود حالك والله أعلم ، وأما السرور فإنه حالة نفسانية تعرض عند حصول اعتقاد أو علم أو ظن بحصول شيء لذيذ أو نافع ، ثم إنه تعالى حكى سؤالهم الثالث وهو قوله تعالى : * ( قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون ) * وههنا مسائل : المسألة الأولى : قال الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " والذي نفس محمد بيده لو لم يقولوا إن شاء الله لحيل بينهم وبينها أبداً " ، واعلم أن ذلك يدل على أن التلفظ بهذه الكلمة مندوب في كل عمل يراد تحصيله ، ولذلك قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : * ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله ) * ( الكهف : 23 ) ، وفيه استعانة بالله وتفويض الأمر إليه ، والاعتراف بقدرته ونفاذ مشيئته . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذا على أن الحوادث بأسرها مرادة لله تعالى فإن عند المعتزلة أن الله تعالى لما أمرهم بذلك فقد أراد اهتداءهم لا محالة ، وحينئذ لا يبقى لقولهم إن شاء الله فائدة . أما على قول أصحابنا فإنه تعالى قد يأمر بما لا يريد فحينئذ يبقى لقولنا إن شاء الله فائدة . المسألة الثالثة : احتجت المعتزلة على أن مشيئة الله تعالى محدثة بقوله : * ( إن شاء الله ) * من وجهين : الأول : أن دخول كلمة " أن " عليه يقتضي الحدوث . والثاني : وهو أنه تعالى علق حصول الاهتداء على حصول مشيئة الاهتداء ، فلما لم يكن حصول الاهتداء أزلياً وجب أن لا تكون مشيئة الاهتداء أزلية . ولنرجع إلى التفسير ، فأما قوله تعالى : * ( يبين لنا ما هي ) * ففيه السؤال المذكور وهو أن قولنا : ما هو طلب بيان الحقيقة ، والمذكور ههنا في الجواب الصفات العرضية المفارقة فكيف يكون هذا الجواب مطابقاً للسؤال ؟ وقد تقدم جوابه .